جوهر الاستراتيجية التجارية

على الرغم من التاريخ الطويل للكتابة عن موضوع الاستراتيجية، فإن مجال استراتيجية المشروعات التجارية يعد على الأغلب نتاج العقدين السابقين بما ظهر فيهما من مصطلحات ومعاني تجارية ذكية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المصطلحات والمرادفات التجارية المتضمنة في سياسة المشروع والمقالات الخاصة بالتسويق. وقد ظهرت محاولة واحدة في منتصف الستينيات لإدخال المجال المستحدث للتخطيط التجاري في المبادئ الحديثة الخاصة بالاستراتيجية العسكرية. وقد أظهرت هذه المحاولة الفرق الكبير بين رؤية الرجل العسكري للاستراتيجية وبين المفهوم التجاري للتخطيط الاستراتيجي. قد تم اتفاق على وجه العموم على وجود ثلاثة مستويات مميزة من الاستراتيجية التجارية ألا وهي: استراتيجية الشركة واستراتيجية المشروع والاستراتيجية الوظيفية. ومن منظور استراتيجية الشركة، فتوزيع حصة الموارد بين المشروعات التجارية المختلفة يعد من أولى الاهتمامات.

وعلى مستوى المشروع التجاري، فتهتم الاستراتيجية بدفع الإجراءات التنافسية في ذلك المشروع التجاري فقط. ويقتصر مستوى الاستراتيجية الوظيفية على تعيين المتغيرات الموجودة في نطاق وظيفة معينة. ويتوازى التدرج الهرمي للاستراتيجية مع مستويات الإدارة المؤسسية. وكلما اتجهنا لأسفل في هذا التدريج سنجد أن عمل المسئولين عن وضع الاستراتيجية يكون مقيداً بدرجة أكبر وخاضعاً لاستراتيجية المستويات الأعلى. يركز هذا المقال في الأغلب على المستوى الثاني وهو استراتيجية المشروع. وفي كثير من الأحوال فإن المستوى يسيطر على المستويين الآخرين. فإذا لم تعتبر استراتيجية المشروع الجيدة أساساً، فمن السذاجة توقع تطوير استراتيجية الشركة بصورة جيدة أو بناء استراتيجية وظيفة منفصل. إن تعريف مفهوم الاستراتيجية فيما يتعلق بالمشروعات التجارية غير واضح. وتختلف التعريفات التي تم نشرها حيث تضيف أفكاراً خاصة وتؤكد على بعض النقاط، كل حسب السياق ويشير مفهوم الاستراتيجية في كثير من التعريفات إلى الخطة والناتج النهائي لتكوين الاستراتيجية، وذلك دون التأكيد على الطبيعة الاستراتيجية لشكل الإجراءات المتضمنة في الخطة. وبعض التعريفات يعتبر الأهداف جزءاً من الاستراتيجية، أما البعض الآخر يرى الأهداف على أنها الأمور التي لابد أن تحققها الاستراتيجية؛ في حين تنص التعريفات الأخرى على أن الاستراتيجية تقوم بتحديد الغايات. ويفرق البعض بين الغايات والأهداف. وفي بعض الحالات يتم تصوير الاستراتيجية على أنها سلسلة من الإجراءات المخطط لها، وفي حالات أخرى ينظر إليها على أنها مجموعة من القرارات المتعلقة بالإجراءات. وعادةً ما تكون الاستراتيجية عبارة عن مجموعة من القواعد الخاصة باتخاذ القرارات. والكثير يشير إلى عملية توزيع الموارد باعتبارها جوهر الاستراتيجية، والبعض يشير إلى الإطار الزمني لتحقيق الأهداف ويرى أن الاستراتيجية ذات مدى بعيد مقارنة بالخطط التكتيكية قصيرة المدى. وعادةً ما يكون التركيز على تحديد الاستراتيجية وفق الموقف معين وفي حالات أخرى يكون من الضروري تحليل البيئة لكي يكون من الممكن وضع الاستراتيجية. ويخصص البعض نظرة على حجم السوق كما يذكر القليل الوضع التنافسي. تنجم التباينات في التعريف إلى حد ما من التماثل الموجود في المؤسسات التجارية وإن كان بدرجات مختلفة، ولكن تظهر الاختلافات في معظم الحالات بدرجة أقل في المفاهيم المهمة للاستراتيجية عنها في الصفات المميزة التي يؤكد عليها المقال. هناك عدد من الأشياء غير المذكورة غالباً في التعريفات ولكنها مقبولة ضمنياً بما يتناسب مع الطريقة التي تعرف بها الاستراتيجية، تمثل هذه الأشياء مجموعة من عناصر المركز التجاري أو وضع المنشأة المتفق عموماً عليها والتي تصمم على أساسها استراتيجية المشروع. فهذه العناصر هي التي تشكل الاستراتيجية وفقاً للمركز التجاري الراهن، وتضفي على الاستراتيجية التجارية معنى مختلف تماماً عن مفهوم استراتيجية الحرب العسكرية. وتقرر هذه العناصر أيضاً المعلومات المطلوبة. وتتحدد الاستراتيجية والمعلومات تبعاً لطبيعة الصراع. بالطبع لا يلتزم المشروع التجاري بنمط معياري واحد. ولكن يمكن الخروج من حالة التشتت الموجودة في الواقع ببعض العناصر الرئيسية بحيث تصبح أنماط الاستراتيجية قابلة للمراجعة. ويمكن عرض أحد عشر عنصراً من هذه العناصر التي تنطبق على أغلب المقالات التي سجلت عن الاستراتيجية التجارية كما يلي:

  1. تكون الاستراتيجية قابلة للتطبيق على المشروع في نطاق حدود معروفة. وحتى لو تغيرت هذه الحدود، يتم تطبيق الاستراتيجية في أي وقت على الإجراءات المؤثرة على المجال المحدد للطلب والمنافسة.
  2. يوجد منافسون مباشرون وهم المنافسون الذين يقومون ببيع المنتجات والخدمات نفسها في إطار منطقة الطلب المحددة. أما المنافسين غير المباشرين فيعملون خارج نطاق المشروع المحدد كما أن منتجاتهم لا تمثل بدائل مباشرة. وعادةً ما يتم إهمال المنافسة غير المباشرة أو يتم تناولها ضمن مفهوم مرونة سعر الطلب.
  3. يوجد نوع من المنافسة المتعادلة بين المنافسين المباشرين على طلب السوق (بحيث إن مكسب أحد الأطراف يعادل خسارة الطرف الآخر، ويخضع ذلك إلى القيام بإجراء تنافس. يؤثر على الكمية المطلوبة.
  4. يختلف الطلب في السوق بمرور الوقت. وفي الأغلب يكون هذا التغيير في الطلب مستقلاً عن استراتيجيات الموردين، وغالباً ما يشار إليه على أنه دورة المنتج. ويتم تصوير هذا التغير في أبسط أشكاله بمنحنى عادي يتطور بمرور الزمن؛ بحيث يزيد الطلب بشكل منتظم ثم ينخفض مستوى الطلب بعد ذلك.
  5. الاستراتيجية لفترات متعاقبة. وتدور المنافسة من خلال سلسلة من المناوشات وفي أثناء دورة المنتج.
  6. تحديد ربح كل فترة زمنية يرتبط بالتحكم في مستوى السعر في هذه الفترة وحجم الخبرة التراكمية للشركة، وكذلك الحجم الذي حققته الشركة بالنسبة للقدرة.
  7. حصة الشركة في السوق قيمة جوهرية. تؤثر مستويات المبيعات السابقة على عملية شراء المستهلك اللاحقة، وتقل التكاليف مع زيادة حجم التعامل والخبرة التراكمية لكل فترة زمنية.
  8. يختلف المنافسون فيما يتعلق بحصة كل منهم في السوق والخبرة المتراكمة والقدرة. على الإنتاج وكذلك الموارد. فالمنافسون غير متكافئين ولكل منهم مكانته ووضعه فالسوق.
  9. تختلف الأهداف حسب الشركات. فالشركات التي تتألف من مالكي رأس المال وهيئة إدارية ومجموعات عمالية وتقوم بإدارة مجموعة من المشروعات التجارية المختلفة يكون لديها أهداف مختلفة. وعادةً ما سيعبر التفكير التجاري الاستراتيجي عن هذه الأهداف باعتبارها أولويات الوقت والخاطرة المتعلقة بأداء المشروع التجاري المنفصل والذي يقاس وفقاً للمكاسب المالية.
  10. سيحدد جوهر الإجراءات الاستراتيجية في ظل موقف معين التغيرات في الوضع التنافسي. والإجراءات العارضة غير الاستراتيجية ستدعم بدورها الإجراءات الاستراتيجية ولابد وأن تكون متناسقة معها، ولكنها لن تغير الوضع التنافسي بشكل كبير ملحوظ.
  11. يتطلب تحديد الهدف الأمثل من الإجراءات استراتيجية استعمال العقل والتحليل، ولا يتم اكتسابه من خلال تطبيق مجموعة محددة من الإجراءات، كما يتم تحديد الهدف الأمثل لكل موقف على حدة. وباختصار فالتفكير في هذه الحالة مطلوب.

 

كل هذه العناصر الأحد عشر مجتمعة تعطي صورة عن استراتيجية المشروع باعتبارها عملية اختيار جوهر الإجراءات التي يتم من خلالها معالجة الوضع في السوق في ظل وجود المنافسة بغرض توسيع دائرة أهداف الشركة. ومن المجدي أن تقدم استراتيجية المشروع نوعاً من الإطار العام لصياغة بعض العناصر الاستراتيجية الخاصة بالمواقف الواقعية للوصول لأفضل النتائج الإيجابية المرغوب فيها. إن الأداء المالي عن الفترة الزمنية المقررة لا يعد مقياساً للأداء الاستراتيجي للشركة. ولا يتم تقييم الأداء بعد مرور دورة زمنية واحدة عن طريق حساب الزيادة في التكلفة النقدية والقيمة التاريخية لأصول الممتلكات. وتقييم أي تغير في الوضع الاستراتيجي لأي طرف مقارنة بالأطراف الأخرى هو أمر مطلوب. ولن يكون للشركة قيمة استراتيجية ما لم تتمكن من إنشاء مكانة واضحة في السوق صعب منافستها. تقوم استراتيجية المشروع المعاصرة على مفهوم تغيير جوهر الإجراءات الاستراتيجية. ففي بعض المراحل قد تحقق الشركات بعض المكاسب الاستراتيجية عن طريق السيطرة على أكبر حصة ممكنة من السوق، مما يمكنها من زيادة الأسعار التي تشتري بها الأطراف المنافسة، مما يستنزف في الموارد النقدية للمنافسين، أو قد يتم تشكيل بعض الائتلافات أو يتم تعزيز المكانة المكتسبة. والنقطة الأخيرة مشابهة جداً لعملية التوسع في تطوير النموذج المتبع من قبل قادة السوق.

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد