المحاسبة الاستراتيجية

يناقش المقال ضرورة وجود دفعة استراتيجية أقوى للمحاسبة الإدارية. ويبدأ المؤلف عرض رؤيته موضحاً أن المحاسبين الإداريين قد اهتموا سابقاً بدرجة كبيرة بالتفاصيل الخاصة بحساب التكلفة والمراقبة وذلك على حساب الانصباب على منع القرار الاستراتيجي وعملية القياس. فقد ركزوا على الفنيات الخاصة بإعداد المعلومات ولم يهتوا بالهدف المنشود من المعلومات. كما ركزوا على نظام المحاسبة بدرجة أكبر من تركيزهم على القرارات التي يعمل النظام المحاسبي على المساعدة في اتخاذها. بعد التأكيد على وجود البعد الاستراتيجي في المحاسبة الإدارية، يستطرد المؤلف بعد ذلك شارحاً طبيعة استراتيجية المشروع والطريقة التي يمكن للمحاسبة الإدارية من خلالها تلعب دوراً مهماً في التفكير الاستراتيجي. يقوم المؤلف في أول الأمر باستعراض استراتيجية المشروع، مع تحديد أحد عشر جانبا يبدو أنهم شائعين في كثير من التعريفات المختلفة.

و يوضح على وجه الخصوص أن تطوير الاستراتيجية لا يعد أمراً إجرائياً. فالقواعد العامة لا يمكن تطبيقها على الفور. وكل مؤسسة على حدة لابد وأن تقوم بتطوير استراتيجيتها الخاصة بطرقها الخاصة. وباختصار فهو يرى أن عملية التفكير مطلوبة. ولكن يوجد بعض العناصر العامة من بينها الأهداف المشتركة والوضع التنافسي وكذلك حصة المؤسسة في السوق. يرى أن لحصة السوق أهمية كبيرة في تحديد الوضع الاستراتيجي للشركة، وأنها ذات قيمة حقيقية في حد ذاتها، وذلك كمحدد للتكلفة النسبية. وهو يظهر بعض الشك حول نظرية منحنى التعليم. ولكنه يرى أنه على الرغم من هذه الشكوك فمن الواضح أن التكاليف النسبية تمثل جانباً مهماً من الأوضاع التنافسية للشركة. وتعد سياسة التسعير عنصراً أساسياً ثالثاً. يهتم قليل من المحاسبين الإداريين بضم مثل هذه الجوانب في أنظمة التقارير المشتركة ولكن يعتقد المؤلف أن هذه القضايا جوهرية بالنسبة إلى نجاح أو فشل المشروع التجاري وليس المقاييس الداخلية مثل مقارنات مستويات التكلفة والربح بالسنوات السابقة. وهو يفترض أن المحاسبين لابد وأن يطوروا مقاييس العائد على الوضع التنافسي وليس عائد الاستثمار، طالما أن الوضع التنافسي للشركة هو الذي ينتج عنه عوائد وليس الاستثمار. ونتيجة لذلك فلابد وأن يكون تقييم المنافس جزءاً من بيانات وموارد المحاسبين الإداريين. يوضح المؤلف في النهاية بعض الوسائل والتي عن طريقها يمكن لأنظمة المحاسبة الإدارية بشكل تلقائي أن تدمج البيانات التي تساعد في متابعة التغييرات في الوضع التنافسي. عندما أصبح توفير المعلومات الاستراتيجية هو محور التركيز الأول والرئيسي للمحاسبة الإدارية، تغير اتجاه المهنة لأقصى درجة. فيعد التغيير من تحليل التكلفة إلى تحليل قيمة المعلومات تغيراً جذرياً. ولكن هذا لا يعني أنه قد تم اعتبار الاستراتيجية من أحد أهداف المحاسبة الإدارية مؤخراً فقط. والمثال الواضح عن الدور الاستراتيجي لمحاسبة التكاليف، كما كانت وقتئذٍ، يرجع لعام 1932 وذلك عندما أقيم مؤتمر التكلفة العالمي برعاية الاتحاد القومي لمحاسبي التكاليف. ولكن منذ ذلك الحين فأي بحث يدعي أهمية المحاسب فالاستراتيجية تظهر أمامه آلاف الأبحاث والتي تبرز الدور الضئيل غير المهم لنظام التكلفة المعيارية، وحتى عندما كانت هناك محاولة للنظر إلى الاستخدامات الاستراتيجية فالنزعة كانت موجهة بشدة لاستنباط البيانات من النظام المحاسبي الموجود. في السنوات الأخيرة أعطى المحاسبون الأكاديميون الأمريكيون، على وجه الخصوص اهتماماً كبيراً إلى العلاقة بين أنظمة المعلومات الإدارية وأنظمة معلومات المحاسبة. واللجنة التي أقيمت حول أساسيات القياس المحاسبي التابعة للجمعية الأمريكية للمحاسبة قد رأت في عام 1971 كآتي: أنه على الرغم من أن مدرستي الفكر المتشددتين تجعلا أنظمة المعلومات الإدارية وأنظمة المحاسبة أحدهما جزءاً فرعياً للآخر، فإن الإجابة ما زالت غير واضحة. وفي التقرير الذي أعدته الجمعية الأمريكية للمحاسبة عام 1971، رأت اللجنة الجالين مميزين يتخللهما نوع من التداخل: هل على المحاسبين أن يبذلوا جهداً أكبر لتغطية جميع نواحي أنظمة المعلومات الإدارية؟ وبصفة أساسية فهذا يطرح تساؤل عما إذا كانت المهارات العقلية المطلوبة ليكون المرء خبيراً في المحاسبة يسهل تطبيقها على مجال أنظمة المعلومات الإدارية ككل. وفي الوقت الحالي لابد من استنتاج أنه لا يمكن ذلك. ويبنى هذا الرأي على حقيقة أن هنا كميزة ما، على الأقل في بادئ الأمر، تكمن في اقتصار المجهودات المبذولة على البيانات المالية، وذلك لأن عملية معالجة وتحليل البيانات غير المالية تتطلب معرفة فنية غير مألوفة بالنسبة للمحاسبين. وبالإضافة إلى ذلك فمعالجة البيانات المالية وحدها وتحليلها يوفر بعض التحديات والفرص التي لن تكون ضائعة في ظل أي ظروف متنبأ بها في المستقبل. هنا يظهر التساؤل عما إذا كان تحليل اللجنة صحيحاً أم لا. ويوجد نتيجة قوية يمكن استنتاجها وهي أن عدم الاهتمام بمتطلبات القرارات الإدارية هو ما يمثل لب المشكلة -وليس انعدام المهارات الفنية في تسجيل البيانات غير المالية. لقد قام التقرير نفسه بتقييم متطلبات عملية منع القرار والمعلومات المطلوبة ولكن بدلاً من التركيز على احتياجات حقيقية فقد تم جدولة مواقف افتراضية. والاستنتاج الذي تم التوصل إليه هو أنه كلما زاد عدد المستخدمين وكلما زادت القرارات المبنية على مصدر المعلومات، ظهرت حاجة أكبر لنظام محاسبة يتكون بصفة عامة من مقاييس مبدئية أساسية يتم استخدام أكبر عدد منها عند عملية صنع القرار. وهنا كان التوجه نحو الماضي حيث تفاصيل النظام المحاسبي وليس نحو المستقبل حيث التفاصيل الخاصة بالقرارات. ويعتبر هذا الاتجاه التقليدي المتخذ به في تسجيل المعلومات هو ما أعاق تطور المحاسبة، ("سيموندس"، 1972). من الغريب أن لجنة أخرى للجمعية الأمريكية للمحاسبة والتي تزامن عقدها مع اللجنة الأولى قد رأت أن دور المحاسبة كان مهدداً بسبب توفير وتحليل المعلومات. ولكن يبدو أنها رأت بعض الأمل للمحاسبة الإدارية في مجال التخطيط الاستراتيجي. يبدو أنه في وقت ما على مر السنين قد فقد المشتغلون في المحاسبة الإيمان بالقيادة الطبيعية لمهنة المحاسبة فيما يتعلق بتوفير المعلومات الإدارية الاستراتيجية. ربما يرجع سبب هذه الشكوك إلى التركيز على الفنيات الخاصة بإمداد المعلومات، دون الاهتمام بالغرض المقصود من المعلومات التي تم الحصول عليها. ولكن تعطي النظرة العميقة لنسق الاستراتيجية صورة عن الاحتياج الشديد إلى المعلومات المحاسبية المناسبة.

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد